الأحد 7 جمادى الآخرة 1422هـ 26 أغسطس 2001 -العدد85                 

محمد علي الفن الغارق في فطرته

بقلم: سيد هويدي


من أهم الظواهر الفنية المصاحبة لحركة التشكيل في مصر الآن، دفع (الفن الفطري) إلى دائرة الضوء والاهتمام باعتباره رافدا فنيا أصيلا، عبر عدة مسارات مختلفة سواء من خلال فتح قاعات العرض أمام الفنانين الفطريين، أو اقتناء متحف الفن الحديث للأعمال الفطرية، أو عبر استعداد قطاع الفنون التشكيلية لاقامة أول صالون للفنانين الفطريين في ديسمبر القادم، وهي الإشارات التي تعد ملامح عودة ازدهار للفن الفطري بعد غياب قسرى طويل، فقد كانت الحياة الفنية قد شهدت معركة في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، خاضها المربي حبيب جورجي ـ أحد رواد التربية الفنية في مصر ـ عندما تنبه إلى الكامن الفطري في داخل الإنسان المصري، وأجرى تجربة الفن الفطرى عند الأطفال المصريين بتهيئة مناخ فني لأطفال قرية الحرانية ـ بالقرب من الأهرامات ـ وعزلهم بقدر الإمكان عن المؤثرات الحضارية والتعليمية، واكتفى بتلقينهم دروس القراءة والكتابة، وراح يراقب النماذج التي حققت نتائج باهرة، لكنه عندما نشرت نتائج أبحاثة في العام 1952، وأقام معرضا بإنجلترا وفرنسا لإبداعات تلاميذه يوضح السبيل الذي سارت فيه التجربة، قوبلت نظريته بالدهشة والشك، بل وتحداه بعض النقاد، في إمكانية تصميم هذه النظرية على النطاق العالمي، بعد أن وضعوا في الاعتبار أن الأطفال المصريين نجحوا، لأنهم ينتمون إلى سلالة الفراعنة ولايمكن تطبيق هذه النظرية في أي بلد آخر .

هذا التحدى دفع المربي حبيب جورجي إلى الاستقرار في الريف الإنجليزي ستة أشهر، وأجرى التجربة ذاتها على أطفال لم يتأثروا بالدراسة الأكاديمية، وقد أثار نجاح التجربة الباهرة ضجة كبرى في الأوساط التربوية هناك، ساهمت في تغيير مناهج التربية الفنية في العديد من أنحاء العالم، من العناية بتدريس الفنون القديمة إلى الإتجاه لفتح منافذ على لاوعى الأطفال، لتفيض بإنتاج مذهل.

عرفت الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة فنانين كثر، يمثلون هذه الظاهرة الفطرية، ووصلوا بفنهم إلى أن تبنتهم قاعات عرض محلية وأوروبية، ويعد الفنان محمد علي (1930) ابن حي الغورية بمنطقة الأزهر وأحد أشهر الفطريين ليس فقط لإرتباطه في فترة السبعينيات وأوائل الثمانينيات بالشيخ امام عيسى الموسيقار الشعبي الذي تغنى بأشعار أحمد فؤاد نجم حيث شارك في الغناء كضابط إيقاع ضمن هذا الفريق الصغير، لكن لأن كوامن الإبداع تفجرت لديه في أعقاب زلزال حرب العام 1967 كينبوع من الإبداع بالرسم عندما أمسك بقطعة فحم لأول مرة ليرسم وجه الشيخ أمام.

حيث يقول الفنان محمد علي: عندما طلع الوش صح، بدأت ألبسه بدله واقعده على كرسي، وأحط له رجل على رجل وأمسكه عود.

ويضيف ثم جاء لي الفنان القاص والرسام محمد جاد الرب وقال أنت عندك موهبه لازم تستمر، فقلت له أجيب التكاليف منين، فغاب عني ساعتين ولقيته راجع في ايديه الألوان والأدوات، وبدأت أرسم أقنعة، بتأثير من حرفتي التي كنت أكل منها عيش وهي صياغة الحلى والتي تركتها بسبب إيماني بما كنا نعمله مع الشيخ امام رغم السجن والمعتقلات والحرمان والجوع.

وتعد البداية الحقيقية لهذا الفنان الفطري هي إنفعاله بأحداث مذبحة (أيلول الأسود) في العام 1970، والتي عبر عنها من خلال مجموعة من اللوحات تصور مأساة الفلسطينيين، وكان المعرض الذي أقيم لهذه المجموعة أول معارضه، وحضرت هذا المعرض وفود عربية كثيرة، تصادف وجودها لانعقاد مؤتمر القمة العربي في القاهرة والذي سبق وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، في الوقت الذي كان فيه الشيخ امام، والشاعر أحمد فؤاد نجم في السجن، فبعد خروجهما دشنوا نشاطهم مرة أخرى في جامعة القاهرة باحتفال كبير حضره خمسة آلاف طالب في مدرج الحقوق وهي الفترة التي شهدت توهج الثلاثة، حيث كان نجم يكتب القصائد، ويلحنها الشيخ، ويرسمها الفنان محمد علي الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة، واعتمد فقط في تفسيرة للقصائد المكتوبة على ما يشدو به صوت ولحن الشيخ أمام وجاءت لوحاته تترجم القصائد أي خطوط وألوان فطرية صارخة وصريحة وحاره، ثم في مرحلة تاليه تخلى عن الارتباط بالقصائد، وإتجه إلى رسم الحارة وما يدور فيها بمسحه من البهجة والتفاؤل، حيث تناول الموالد الدينية، وحفلات الزواج والسبوع وزحام الأسواق، والعاب الأراجوز، والسيرك الشعبي وصخب الباعة الجائلين والمداحين والمشعوذين وصور مشربيات البيوت القديمة والنسوه بالملاءات اللف، أو بأزيائهن المزركشة وألوانها الزاهية الصارخة.

وذلك بأسلوب الفنان الفطري الذي لايعرف شيئا عن المدارس الفنية أو الإتجاهات يمارس فنه خارج الدوائر الثقافية، وهو الأسلوب الذي لا يتقيد بالواقع، إنما يأتي إنعكاسا للإنفعالات والأشكال المختمرة في ذهنه عن الواقع، ويتميز بمقدرة واضحة على أستخدام الألوان التي تبدو شديدة الثراء في صخبها وقوتها .نجد رسوماته حتى اليوم على واجهات البيوت الشعبية في مناسبات الحج والزواج، والتي لا تقيم وزنا للمنظور الأكاديمي، فقد نجد رسم الجمل يأتي فوق الطائرة، أو أنه يعدد عناصره المرسومه في اللوحة بعددها في الواقع مهما بلغت من أرقام، إلى الدرجة التي لا نجد فيها فراغا في اللوحة المرسومة، وهو ما يذكرنا بطريقة الفنان الإسلامي في المخطوطات القديمة.

وعن ذكرياته مع الموسيقار الشعبي الشيخ أمام يقول الفنان محمد علي: كنت وأنا طفل عمري ست سنوات، أقوم بتوصيل الشيخ امام للمنازل والمحلات كدليل ليقرأ بها القرآن، وبعد ذلك بسنوات طوال جمعتنا شقتى في حوش قوم آدم بالغورية، وقد كان الشيخ فرحان بهذه الشقة لأنه كان يستطيع الاستحمام، وعشت أنا وهو في هذه الشقة ست سنوات، قبل أن ينضم إلينا الشاعر أحمد فؤاد نجم، وكنا تقريبا في منتصف الستينيات.

ويضيف محمد علي: في هذه الفترة كنت أعمل في صياغة الحلي، من خلال طاولة صغيرة في أركان الشقة، ولما كان ضيوفنا يتعاقبون كل يوم لسماع الشيخ وهو يغني بأشعار نجم، كانوا يدفعون الطاولة بالمصوغات التي كنت قد أنجزتها طوال اليوم، فيفسد شغل اليوم كله، ويوم وراء يوم أصبح الحال مستحيل، وأحس بالوضع الشيخ امام فعرض على أن أعمل معهم كضابط إيقاع، والكورس الوحيد.

ويلتقط محمد علي خيط من الذكريات ويقول : عندما بدأنا نعمل أغاني سياسية هل علينا الفنانون والأدباء والمباحث أيضا، بعد غنائنا لأغنية جيفارا، هوش منه وشيليني وأشيلك وإنتشرت الأغاني، ورغم الفقر والحاجة والعوز كانت هناك بعض اللحظات الجميلة التي عشناها، منها اللحظة التي عندما جاء لنا فيها المخرج يوسف شاهين وطلب من نجم وامام، أغنية بهية عشان يقدمها في تتر فيلم العصفور، وذهبنا سجلناها في استوديو مصر، وهي الفترة التي كان الرئيس السادات بيقول ما أقدرش أحارب أمريكا، فرسمته وسط الضباب وطلبة الجامعة أخذوا اللوحة وطبعوا منها كثيرا، بل علقوها على الجدران، لكن عندما جاء المخبرين على البيت يفتشوا على اللوحة، لم يجدوا شيئا ! وبصوت يملؤه الشجن والأسي يقول: محمد علي عندما قبض علي ثلاثتنا بعد مظاهرة في ميدان التحرير في أوائل السبعينيات، كان نصيبي زنزانة انفرادي في سجن القلعة سمعت في جوف الليل صوت الشيخ امام بيغني. أتوب إزاي وأنا أيوب

ومافي الوعد والمكتوب

وكان نجم قد كتب هذه القصيدة لانهم طلبوا منهم يعلنوا توبتهم ويعتذروا للنظام، وبعد أن إنتهى الشيخ امام. .. وجدت نفسي اقول:

اتجمعوا العشاق في سجن القلعة

اتجمعوا العشاق في باب الخلق

والشمس غنوه في الزنازنة طالعه


وهذه المرة اعتقلنا فترة طويلة جدا، وكل ما نأخذ إفراج الرئيس السادات يعترض، رغم أن القاضي في كل مرة كان يعطينا إفراجا، بفضل مرافعات المحامي المخضرم نبيل القاضي الذي كان يقول لهيئة المحاكمة طبلة محمد على بتزلزل كيان الحكم.

وعندما خرجت من السجن بدأت أنظر للحارة بشكل فني جديد ـ فرسمتها وكأني أراها لأول مرة في لوحات كثيرة ليس فيها سياسة، والآن افتكرتني وزارة الثقافة أخيرا وسوف تقيم لي معرضا، كما وعدوني بالتكريم في صالون الفطري الأول الذي سيقام بقصر الفنون بالأوبرا في خلال الشهور المقبلة.