الجمعة 2 جمادي الاولي 1423 هـ الموافق 12 يوليو 2002

الملف السياسي



استراحة البيان، يكتبها اليوم: مجدي شندي، ظاهرة المعارض العاشق

كما ان كل شعب يستحق النظام الذي يحكمه.. فان كل حكومة تستحق المعارضة التي تناوئها.. وتبحث عن خطاياها.

الامم في أوقات المد عادة ما تكون اكثر تسامحا وانفتاحا على الآخرين وفي اوقات الجزر تتقنفذ للدفاع عن ذاتها.. وقد فطن العلماء المسلمون الاوائل الى هذا الحال فجعلوا للمد الحضاري فقهه ولفترات الظلام احكامها المختلفة.. وفي وقت قريب حدث جدل بين العلماء كل استند الى فرع من الفروع السابقة احداهما حينما صدرت فتوى تجيز للجندي المسلم في الجيش الاميركي ان يقاتل اخاه المسلم في افغانستان والثانية خلال الجدل الذي دار حول العمليات الاستشهادية البعض رآها ذروة سنام الشهادة وقليلون رأوها اهلاكا للنفس.

الدول كذلك في وقت المد والتقدم والتنمية تنبت فيها معارضات عاشقة متسامحة وفي اوقات المحن تنبت معارضات بأنياب حادة فتاكة لا تميل للتسامح ولا للنقاش.. بل تحاول اجتثاث الآخر وانكار وجوده وتحطيم منجزاته.

توقفت طويلا امام ظاهرة المعارض العاشق التي شهدتها مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان للظاهرة تجليات كثيرة ليس فقط في السياسة وانما في الفكر والثقافة والفن.

عبر عن هذه الروح أصدق تعبير الراحل صلاح جاهين.. الذي مات اكتئابا، وذاب عشقا، وتحولت ريشته وقلمه واشعاره الى سيف مسلول في وجه التخاذل، في وجه الاشخاص الذين روجوا لتثبيت صورة الانكسار الذي حدث في 5 يونيو، والاحتفاء بها وكأن نصرا لم يحدث بعدها.

وكأنما اراد صلاح جاهين ان ينقلنا الى روضة مشاعره الحقيقية فلخصها لنا في مقطوعة رقيقة وجميلة.. مثل عذراء حسناء لم تعرف فن الماكياج بعد:

على اسم مصر التاريخ يقول ما شاء أنا مصر عندي أحب واجمل الاشياء بحبها بعنف وبقوة وعلى استحياء واشتمها وألعن ابوها بعند زي الداء واسيبها واهرب في درب وتبقى هيه في درب وتلتفت تلتقيني جنبها في الكرب

صلاح جاهين هو شاعر الثورة المصرية حينما قامت وانجزت والشاعر المتمرد عليها حينما اخطأت وتجاوزت وانهزم مشروعها.. وهو الشاعر الذي غنى لعبور قناة السويس وللجنود البواسل ثم لعن عصر الانفتاح حينما تحول الى نهب وفوضى.. وحينما وجد ان الذين ضحوا بأنفسهم اصبحوا خارج المشهد.

الشيخ امام يعتبر الشيخ امام تجليا آخر من تجليات هذه الظاهرة وهناك من يربط الشيخ الراحل بأحمد فؤاد نجم شاعر العامية الكبير غير اني اميل الى الفصل بينهما.. فالربط بينهما يشبه الربط المتعسف ما بين عبدالحليم حافظ وكمال الطويل او محمد الموجي او مأمون الشناوي.

حظي احمد فؤاد نجم بنصيب كبير مما شدا به الشيخ امام.. لكن هناك آخرين غنى لهم امام، قائمة على رأسها فؤاد حداد وتضم اسماء معروفة واسماء لم يعرفها احد بسبب سوء حظ اصحابها او لعدم معرفتهم بدروب الشهرة، او ترفعهم عن تنكب طريقها الذي يمر عبر الشللية والمصالح الشخصية، وتبادل المنافع.

من أشهر ما غنى الشيخ امام لفؤاد حداد:

الخط ده خطي والكلمة دي ليا غطى الولد غطى بالدمع ياعنيا شط الزتون شطي والارض عربية نسايمها انفاسي وترابها من ناسي لو كنت انا.. ناسي مهتنسانيش هيه

المغني الضرير تمثل حياته اسطورة بذاتها فهو ابن طبقة مهمشة عشق الفن من خلال تجويد القرآن.. وجد نفسه في بحر المد الثوري.. لا يستطيع ان يكون عاملا في السد العالي او جنديا على شط القناة.. فلجأ الى العود يحتضنه ويبثه اشجانه ويداعب اوتاره شاكيا اليه حزنه وعجزه وعدم اكتراث الآخرين به.

كل ذلك كان عاديا.. لكن هزيمة 67 زلزلته.. فجرت احزانه وغضبه في مواجهة المسئولين الذين اساءوا التقدير، والغرب الذي تحالف ضد مصر وتجربتها التنموية واحلامها الوحدوية، غنى الشيخ امام منتقدا الجنود الذين عاد بعضهم من سيناء منسحبا وتاركا سلاحه بسبب اوامر قيادية ومنشدا لمظاهرات الطلبة من فبراير 68 الى يناير 77. عرف معظم سجون مصر ومعتقلاتها في العهد الناصري كما في فترة السادات غنى للمعتقلين السياسيين ولطلبة الجامعة وزهور الثانوية الذين خرجوا يحتجون على ممارسات السلطة فاعتقلتهم فاعتبرهم بكلمات فؤاد نجم ورودا جديدة تنبت في ارض الكنانة:

صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر صباح العندليب يشدي بألحان السبوع يامصر صباح الدايه واللفة.. ورش الملح والزفة صباح يطلع بألحانه من القلعه لباب النصر ثم يدعو لمصر بالسلامة ويتغزل فيها كما لو كانت انثى ولودة سلامتك يامه يامهره ياحباله ياولاده ياست الكل يا سمره سلامتك من آلام الحيض.. من الحرمان من القهره سلامة نهدك المرضع سلامة بطنك الخضراء

ولا يستنكف من ان يذكر في اغنية ترددها الملايين اسم معتقل كان يتولى ترديد اغاني الشيخ امام بصوته القوي النحاس حتى يسمعها كل من كان في الزنازين:

وبلغ يا سمير غطاس يا ضيف المعتقل ثانوي بصوتك ده اللي كله نحاس صباح الخير على الثانوي

كان الشيخ امام خلال السبعينيات اسطورة نضالية في نظر اليسار المصري بأكمله والطلبة بشكل خاص، قبل ان يتحول الى اسطورة شعبية حينما اتسع نطاق المعارضة للرئيس السادات في اواخر عهده.

ومن اجل ادخاله حرم جامعة القاهرة (التي كان ممنوعا من دخولها او دخول اي جامعة اخرى) جرب الطلاب كل انواع التحايل التي تخطر على البال.. ومارسوا عليه كل فنون التنكر كما اضطروا في احيان ان يجعلوه يقفز اسوار الجامعة بمساعدتهم ويتفننوا في اخفائه حتى يظهر على المسرح وما ان يمسك بعوده ويبدأ في الدندنة حتى تتحول الجموع الطلابية الحاضرة الى جذوة نار متوحدة.. يبدو فيها الجميع وقد تخلوا عن اجسادهم وتحولوا الى نياط قلوب تهتز مع ملامسة الشيخ امام لاوتاره.

كان يمكن ان يتحول الشيخ امام بامكاناته الفطرية ومواهبه الى سيد درويش جديد في الغناء المصري.. لكن ظروفه الحياتية حالت دون ذلك.. عاش فقيرا ومات افقر مع انه كان يمكن ان يعيش في قصر لو استجاب مرة واحدة وقبل كرم وسخاء بعض الشخصيات السياسية من خارج مصر لكنه كان عفا ميالا الى الزهد، اختار ان يعيش ويموت في غرفة واحدة بحارة في افقر ضواحي القاهرة هذه الحارة تحولت فيما بعد الى مزار لعشاقه الذين يزيدون يوما بعد يوم.

ورغم انتقاله الى رحاب الله منذ سنوات طويلة فان الحرب ضد منجزه الثقافي مازالت مستمرة فتراثه مهدد بالضياع ان لم تمتد يد عاشقة «لعشقه لمصر» تتلقف هذا التراث الغنائي الجميل وتطبعه وتنشره بين الجماهير.

الناس يتعطشون لفن حقيقي.. فاطبعوا تراث الشيخ وكفانا ترويجا للابتذال.

اعرف ان رياح الابتذال عاصفة لانها تأتينا من واشنطن لكن لا مفر لنا من المواجهة.




رياضة | منوعات | سياسة | محليات | الرأي | اقتصاد | الأولى

حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة البيان للطباعة والنشر

للإستفسارعن معلومةاضغط هنا


شعار البيان
الأولى
اقتصاد
الرأي
محليات
سياسة
منوعات
رياضة