باول يمهل العراقيين 6 شهور لاعتماد الدستور ............... اسرائيل تغلق الاراضي المحتلة وتمنع المسلمين من الوصول للاقصي ............... الاعظمية لم تعد تتنفس نسمات دجلة ومنع التجول يسرق ليل العراقيين ............... جمال مبارك يطالب بدعم للممارسة الديمقراطية وسط استياء من ازمة الخبز ............... احتمال وقف الملاحقات ضد موسوي والادعاء يطالب بمحاكمة ...............
28/09/2003 - 02:30:17 ص

الصفحة الأولى






back pagecommentorbitsforumeconomyyouthvaritiesartisraeli pressin dedtharab affairsfront page
2003/07/28

أحمد يعقوب
متواضعاً مثل بحر … أليفاً كنخلة .. وشفافاً كسماء … لكن: البحر يغرق أشدّ المتغطرسين. والنخلة يصعب علي أشد المفترسين صعودها .. والسماء تطّل علي الرعود والبروق وهي تبتسم..
هكذا كتبت عن الشيخ إمام بعدما التقيته في تونس (1990) وأنا الذي عرفته وتآلفت مع صوته وأغانيه منذ أوائل السبعينات في أزقة مخيم اليرموك للاجئين ، عندما كنا نفترش المنفي ونلتحف اللجوء .
إذ ذاك كان يجيش بنا الوطن الضائع ونقصقصه ونكرّزه كحبات البطيخ في أمسياتنا الطويلات .. كان الشيخ أمام أنيساً أليفاً ومقيماً دائماً .. ولطالما استحال خيلاً من نسيم نمتطيه مثل الزير سالم نحو الحلم الوطن .. بل ربما كان بساط ريح حملنا إلي الشعب الزين في عمان وفي البحرين وإلي سايغون التي سقطت فرفعوا العلم وهافانا وبوليفيا .. كذلك أدخلنا القلعة في باب الخلق وأقرأنا علي أسوار الزنازين سهام بكلام إنسان عن مصر وعن عمال حلوان .. وسحبنا من أيادينا مع حاملة القلل وهي تتدلع وتسأل: البحر بيضحك ليه ...
عندها عرفنا أن الحكاية ما تضحّـكش لأن منطق العصر هو عصر الزنوج والأمريكان ..
في يوم ماطر من شتاء تونس الدافئ .. صحوت فجراً علي غير عادة ، كانت قيدوا شمعة ، أو قدوا شمعة لا تزال تتملكني فلم أشعل النور .. كان بحر تونس وادعاً يرسل رذاذ وهمسات موجه… فذهبت إليه علنّي أقضي الساعات برفقته ، ريثما، يحن وقت لقائي مع الشيخ إمام الذي رتبه لي الشاعر التونسي آدم فتحي …. وحملت مسجلة صغيرة ، وكل ما أملك من أشرطة غنائية للشيخ إمام حشوتها في جيوبي ..
في الطريق رأيت العمال يسرحون .. وكذلك الصيادين .. كان صوت الشيخ إمام يردد .. نصحي والناس نعسانين … موعودين بالفرح احنا .. لهذا ربما عندما ألقيت السلام علي البحر وجدته غضبان ما بيضحكش ..
لم يكن الشيخ إمام يقيم في أحد فنادق العاصمة .. لقد نزل في حيّ المنار .. في شقة سكنية لأحد المدافعين عن حقوق الإنسان، حيث كان مدعوا من رابطة حقوق الإنسان وأقام حفلاً غنائياً في الصالة الرياضية المغلقة !! لكنها لم تبق كذلك !! حقاً إنَّ التوانسة ذواقون لم يمنعهم المطر أو أية معيقات أخري من الحضور من جنوب تونس ومن شمالها ومن غربها وشرقها .. ولم يمنعهم امتلاء القاعة من أن يسمعوا الشيخ إمام وهم في الشارع وتحت المطر .. لم يسمعوه فقط ، إنما ، دخلوا معه في عالم وجد وانتشاءٍ وهم يتوحدون مع الإنشاد والكلام ...
ما أثار الدهشة أن الشيخ إمام غني دور يا كلام علي كيفك دور … خلي بلدنا تعوم بالنور من غير ميكروفون .. لقد بدت قدراته الصوتية خرافية من حيث القوة ومساحة الصوت .. كذلك براعته في الانتقال من طبقة صوتية إلي أخري إلي نقيضها ..من أقصي القرار إلي أقصي الجواب !! علي المسطرة … ـ كما يقول ـ دون أدني نشاز ـ بل وتفننه في تقلبات وتموجات خامة صوته ودفئها.. آنذاك كان عمره (73) سنة !!
وآنذاك سمعه آخر مريد له في الشارع علي بعد عشرات الأمتار!! كانوا يستمعون بكل خلايا أجسادهم ..
وضعت ذلك ملاحظة علي أوراقي من بين الأسئلة التي سأحاوره بها .. ووضعت مقارنة مع أغنية من غير ليه التي كان قد أطلقها محمد عبد الوهاب لتوه وصارت أغنية الموسم .. واتضح أن عبد الوهاب قد غنّاها وسجلها قبل أن يصل إلي عمر السبعين..
استقبلني وهو يلبس البيجامة .. ربما أراد القول: الحقيقة لا تحتاج إلي ماكياج . قبلني وهو يقول: يا ريحة فلسطين ده ريحة التين والزيتون .. كأنني شاهدت دمعة تطفر من جفنيه المطبقين علي نور البصيرة .. أخذني من يدي كشيخ جليل وأجلسني قبالته … كان مثل أي طفلٍ أفرطت أخيات المسيح في تربيته الهادئة !! كأنني أمام جبل من الهدوء أو أمام غابة زهور خجل .
كان النوم قد أخذ الصديق الشاعر آدم فتحي واضطررت للذهاب إلي أوس داوود الطالب الفلسطيني في السنة الأولي / صحافة. كي يساعدني في الوصول إلي الشقة التي يقيم فيها الشيخ وكذلك لحضور الحوار والتقاط الصور .
قال لي: كان للموسيقي في الصين القديمة دور تاريخي في تغيير البنية الاجتماعية ذ الاقتصادية وصل حدِّ الثورة في قلب نظام الحكم لأن الموسيقي هي الوسيلة المثلي لغسل الروح بل وتطهيرها والارتقاء بالنفس البشرية إلي تجلياتها الأسمي
لهذا كان الشعب مصدر إلهامه الموسيقي وكذلك الشعر الذي يعبر عن أحاسيس الشعب بفنيةٍ تليق بهذه الأحاسيس ... فصارت السر الذي يعشش في نغاغيشه ـ كما قال لي ـ .
(لقد نزل سيد درويش إلي الشارع واستمع لما يقوله السقا في الصباح .. وهو ما ألهمه .. صبح الصباح فتاح يا عليم .. في الشمس طلعت ) . لهذا التحم الشيخ إمام بالشعب بهمومه وآلامه، بأحاسيسه وأحلامه وغني ذلك .. كان الشاعر أحمد فؤاد نجم قد قبل متطوعاً أن يتناسخ فيه بيرم التونسي وحط له الآمان: آمان آمان بيرم أفندي بل وعلي منواله صاغ أشعاره ، السهلة ،الممتنعة ، البسيطة ، المركبة التي تغرف من العادي من الكلام ، تحملها روح الدعابة المصرية التي تعبق بالشجن والحسرة.
لقد وحدت هزيمة حزيران بين إمام و نجم !! فوجدت مواهبهما الطفرة مناخاً متبادلاً للإبداع في الرد علي الهزيمة فتوحد الشعر والموسيقي في خندق إعادة الاعتبار للذات التي حزَّ فيها: خباطتنا تحت باطنا يا محلي رجعة ضباطنا من خط النار .
بالكوميديا السوداء اختصر مشهد الهزيمة ، عندما قدَّم لنا الضابط العربي وهو يضع حذاءه تحت إبطه ويفرّ من المواجهة.
في الجانب الآخر، اختار الشيخ إمام مقاماً موسيقياً سهلاً وصعباً في آن .. حتي يموسق الهزيمة في انتقالات نغمية تلبي العلاقة بين المأساة والملهاة بإيقاعات شعبية وبسيطة ..
ورغم الهزيمة يلح الثنائي إمام ونجم علي استنهاض الشعب من خلال عمق مأساته وحكايته ... ويبعثان برسالة إلي عبد الودود المصري الصعيدي أي الجندي المصري / العربي الرابض علي الحدود .
لقد اهتم الشيخ إمام والشاعر نجم بمحاربة الآفات الاجتماعية التي كان لها دور أساسْ في تهميش دور الإنسان الذي لم يأخذ دوره الصحيح في المعركة .. فلقد حارب السحر والشعوذة في القرداتي الذي يلعب القرد البهلوان والسيرك .. كما سلط الضوء علي الصراع الطبقي وانعكاساته، هم بياكلوا حمام وفراخ واحنا الفول دوّخنا وداخ .
ووقف طويلاً أمام الغناء الذي يستثير الغرائز ويكرس الآفات الاجتماعية والسياسية.
ولم ينس الشيخ إمام تسليط الضوء علي الانتهازيين وأصحاب الجمل المنمقة وتجار الثورية .
بصراحة يا أستاذ ميكي أنك رجعي وتشكيكي وكذلك الثوري النوري الكلمنجي .
في الوقت الذي كان يؤكد فيه وجوب تكريم الشعب الزين تكرم عين الشعب الزين في عمان وفي البحرين بل يجب سماع كلمة الشعب لأنه صاحب القول الفصل:
شعب عنيد يقول ما يريد
شو ما يقول علي الراس والعين
ولا ننسي الاستياء الرهيب من زيارة نيكسون وديستان في إشارة إلي الضغوط التي كانت تتعرض لها مصر في معركة المصير وعندما قرر السادات تأسيس حزب جديد .. أطلقوا زغرودة للحزب الجديد حيدمر الحزب اللي مات مع أنه في الحزب الوليد أعضاء من الحزب اللي فات .
كانت المقامات الموسيقية السبعة تمثل المجال الواسع لإبداع الشيخ أمام الموسيقي ومنها اشتق النغمات اللامنتهية.
قلت للشيخ إمام: إنَّ هناك إعادة وتكراراً للمقامات وللإيقاعات بما يعطي الانطباع بأن الشيخ يكرر نفسه مع التأكيد علي البصمة الشخصية المبدعة للشيخ كملحن ومؤد لأعماله ..
وببصيرته التي اكتشفت الخفي في السؤال وبصوت بالكاد أسمعه لشدة هدوئه قال: زياد الرحباني عرض عليّ إعادة توزيع أعمالي.. وزياد مبدع كبير وأستطيع أن أسميه عبقري الموسيقي العربية ومستقبلها وأنا شديد الاستماع إليه وإلي مارسيل خليفة .. ويعجبني إبداعهم وتوليفهم للآلات الشرقية والغربية .. لكنني وأنا لست ضد التجديد والتحديث أصر علي مقامات الموسيقي العربية وعلي التخت الشرقي .. كآلات العزف ، ولأن إيقاع حياتنا العربية لم يتغير!! فإن إيقاعاتي الموسيقية تتكرر.. في جيفارا مات كان لابد من استخدام إيقاع كربلائي يأخذنا إلي اللطم والندب علي الافتقاد لشخص مثل جيفارا .. وفي يا فلسطينية والبندقية كان لابد من استخدام مقام خاص بفلسطين والبندقية ، وكذلك الإيقاع الموازي في تل الزعتر أكبر جرح وأشرف جرح وأطهر جرح في قلوب الناس!! كان لابد من المقام الحسيني الكربلائي .
وعندما لفقت تهمة الحشيش لإمام ونجم !! وتم اعتقالهما أضرب طلاب الجامعة، ولّموا الكفالة من أثمان سندويتشاتهم عندها ارتجل أحمد فؤاد نجم: رجعوا التلامذة يا عمي حمزة للجد تاني وأبدع الشيخ إمام في الارتجال أيضاً لم يقتصر الشيخ إمام علي أداء الطقطوقات والأطوار والموشحات والنشيد تلحيناً وأداءً ، بل، تجلي في التطريب في قيدوا شمعة يا أحبة والتي قال لي إنها خرجت من نغاغيشي .. استخدم فيها أكثر من مقام وأكثر من إيقاع يبدو الانتقال بينهما سهلاً لكن عند عزفه تكمن الصعوبة !! وتكمن تجليات ومهارة الشيخ إمام .
لم يفاجئني الشيخ إمام عندما قال: إن سيد مكاوي هو أحد تلامذته مع أنه اختار طريقاً آخر وقصد الطريق الذي لا يخاطب العقل ولا يهتم بمتطلبات الإنسان الحيوية ..
ومع افتقاد الغناء والموسيقي للمقومات الأساسية للأغنية مثل: الكلمات .. اللحن .. الصوت .. يحافظ الشيخ إمام علي وجوده وانتشاره بين الأوساط الشابة وله من السحر ما يجعل فرقة جامعة بيرزيت تقدم وصلات فنية خاصة لأغاني الشيخ إمام وبأداء مبدع.
ومع أنه كان يأمر بالثورة وينهي عن الخنوع ..ويعظ الناس بأن يخرجوا إلي الحق وألاّ يقعدوا أمام الباطل .. فإن لقب شيخ عند إمام عيسي لم يكن له طابع ديني .. فثمة شيخ الفلاسفة .. شيخ الكلام .. شيخ الأطباء و.....
الشيخ هنا هي المنزلة الأعلي لدي الموسيقيين وفرق المناجيين كما هي مرتبة سيد عند سيد درويش و سيد مكاوي .. لقد اكتسب إمام عيسي لقب شيخ الموسيقيين بجدارة فهو صاحب موهبة استثنائية فنياً . هذه الموهبة تحتضنها رؤية فلسفية تنظم مواقفها الحياتية بالشكل الذي لا تهادن القبح فيه أو تتصالح معه أو تكون توفيقية قبالته ..
الموهبة .. والرؤية نشرتا علي حبالٍ صوتية ، ربما ، كانت كربونية ..فكلما احترقت أخرجت ماساً شفافاً جميلاً وقاسياً ،بل، حميماً ومطواعاً عند أنامل أثقلها القهر بالشجـــن فتنسـكب مثل شمعة تبكي وتنسبك . هو ذا إمام عيسي الذي انبـــعث في ريــــف مصر عندما كان الغزاة سايكس الإنكليزي و بيكو الفرنسي يقتسمان الوطن العربي.
ولأن من تجليات الاستعمار الجوع والحرمان والأوبئة وسمات أخري مشابهة وأكثر مأســـاوية، فإن المرض أطفأ بصر الطفــــــل إمام بعد أربعة شهور من مولده ذ لكن مياه النيل التي تجري منذ بــــــدء التاريخ أشعلت فيه البصيرة التي وصــلت قبسات نورهـــا إلي ما بصرّ زرياب والحسن البصري في بصرة العراق ، وإلي بصري الشام ودلمون بل إلي ابن يقظان .
الشيخ إمام موهبة استثنائية تحتضنها رؤية فلسفية لا تهادن القبح أو تتصالح معه..علي استعداد لدفع ثمن مواقفها .. موهبة خاصة وخالصة انتشرت علي حبال صوتية خاصة ! طالت سعتها وطناً يمتد من محيطٍ إلي خليج .. وبأنامل أثقلها القهر بالشجن انسكبت أنغاماً وألحاناً لتصبح أحد مكونات الشخصية الثورية المعاصرة في الوطن العربي
شاعر من فلسطين
3
الديمقراطية في العالم العربي لن تتحقق الا اذا:
فرضت من الخارج
وجدت ارادة داخلية ولو بعد سنين طويلة
من 24-09-2003 الى 01-10-2003


Alquds PDF archives


Send email

أخبار الأمس