الشيخ امام جزء من الذاكره المصريه


عندما توفي الشيخ إمام عيسي في7 تموز (يونيو) 1995 ونعته في صحيفة
الأهرام مجموعة من رموز الثقافة المصرية والعربية في بيان مدفوع الأجر.
وكتب أحد كبار كتاب هذه الجريدة يتساءل عن هذا المغني الذي منحه
المثقفون لقب فنان الشعب ... ولم تكن التساؤلات استنكارية، بل استفهامية
هدفها التعرف إلي مساهمة هذا المغني الضرير في الضمير الفني. وبعد سبع
سنوات لا يزال الاستفهام قائماً، كما يتواصل التجاهل الرسمي لظاهرة الشيخ
إمام، علي رغم أن الإعلام رفع بعض الحظر.

وفي مواجهة هذا التجاهل شهدت القاهرة أخيراً أمسية فنية للإحتفال بالذكري
السابعة لرحيل إمام عيسي، نظمتها مجموعة من أصدقائه ومحبيه في قاعة
تشايكوفسكي في المركز الثقافي الروسي، وهي القاعة التي أنشد فيها إمام
في سنوات المد الثوري أشهر أغنياته، عندما كان المركز يحمل اسم المركز
السوفياتي . وكان لافتاً أن القاعة امتلأت بالكثير من أصدقاء إمام، بمن
فيهم رفيق تجربته أحمد فؤاد نجم الشاعر الفاجومي، والفنان الفطري محمد
علي، وهما اللذان عاشا معه ميلاد معظم أغنياته في الحجرة الشهيرة في
منطقة حوش أدم في حي الغورية، وقد أمّها كل المثقفين المصريين والعرب.
بدأ الاحتفال بكلمة لأحد أصدقاء إمام سيد عنب الذي لفت نظر الحاضرين إلي
قدرة إمام علي استقطاب أجيال جديدة من المعجبين... علي رغم رحيله وغيابه
عن منابر الإعلام. واعتبر الأمر دليلاً الي صدق تجربته وقدرتها علي النفاذ
إلي مشاعر هذه الأجيال التي تعيش الظروف السياسية التي نعرف. ودعا عنب
وسائل الإعلام الرسمية إلي الإفراج عن تراث إمام وإذاعته، بصفته جزءاً لا
يتجزأ من الذاكرة الوطنية والفنية المصرية.

ومن جهته حرص الفاجومي علي القفز فوق خلافاته القديمة مع إمام، مؤكداً
انهما حين عملا معاً لم يتصورا أن أغنياتهما ستقلب الدنيا وانهما سيدفعان
ثمن هذه الأغنيات التي كانت بيانات غضب لمواجهة كل صنوف الزيف . كما
شاركت المطربة عزة بلبع التي بدأت خطواتها الفنية قبل ربع قرن بغناء
أغنيات إمام ونجم، خصوصاً في الفترة التي تزوجت فيها من الفاجومي...
ورافقتها فرقة من العازفين المكفوفين تحمل اسم فرقة عفاريت الشيخ إمام .
كما شاركت فرقة الورشة المسرحية بقيادة حسن الجريتلي وقدمت أغنية في عيد
ميلادي العشرين التي غناها إمام ولحنها... لكن وفق طريقة جديدة في الأداء
تنسجم مع مشروع الورشة في التعامل مع الأغنيات الشعبية التي تشكل مصدراً
من مصادر الهام الفرقة.

واستقبل الجمهور هذه المحاولة ببعض التحفظ الذي عبر عنه المخرج المسرحي
عادل عفر الذي يقدم نفسه في منتديات القاهرة كوريث فني لأعمال الشيخ
إمام، وما يدفعه إلي ذلك ارتباطه المتأخر بالشيخ إمام قبيل وفاته. وقدمت
الورشة أغنيات لإمام منها حبايبنا فين ، عن موضوع الفول واللحمة ، حلو
المراكب ، يا غربة روحي . كما غني المطرب والملحن محمد عزت الذي يعتبر
بمشروعه الغنائي امتداداً لظاهرته، مجموعة من أغنياته الخاصة...
والمعروف أن الصعود الحقيقي للظاهرة لم يبدأ إلا العام 1968، مع ميلاد
أغنية يا محلا رجعت ظباطنا من خط النار التي عرفت انتشاراً استثنائياً، بعد
أن أغضبت عبدالناصر... وشاعت في صفوف الحركة الطالبية المصرية كتعبير
ساخط عن مرارة هزيمة حزيران (يونيو) ولسنوات طويلة ظل نجم وإمام صوت
هذه الحركة. وما زالت أغنياتهما تلقي قبولاً استثنائياً في الأوساط اليسارية
التي التفت حولها.

أما الأوساط الطالبية، فسعت أخيراً إلي التعبير عن عشقها لإمام في شكل
عملي، يسعي إلي عولمة الظاهرة، لا إلي تسليعها، وذلك من خلال طبع اسطوانة
رقمية (سي دي روم)، تحمل بعض أغنياته. كما يسعي بعض عشاق إمام إلي إطلاق
مواقع علي شبكة الإنترنت، تحمل أغنياته وصوراً فوتوغرافية لحفلاته مع
معلومات عن مسيرته مع الغناء منذ ميلاده العام 1917، وحتي رحيله العام
1995ويبدو أن سيرة إمام ستكون محل سجال في الأيام المقبلة، بعد النجاح الذي
حققه كتاب مذكرات الشيخ إمام للصحافي المصري ايمن الحكيم، وكتاب شاكر النابلسي.
ا